ابن رشد

353

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

لا يخالطهم غيرهم ، وبين أولئك القوم ، وبين قوم المقتول عداوة كما كانت العداوة بين الأنصار واليهود ، وكانت خيبر دار اليهود مختصة بهم ، ووجد فيها القتيل من الأنصار ، قال : وكذلك لو وجد في ناحية قتيل وإلى جانبه رجل مختضب بالدم ، وكذلك لو دخل على نفر في بيت فوجد بينهم قتيلا وما أشبه هذه مما يغلب على ظن الحكام أن المدعي محق لقيام تلك الشبهة . وقال مالك بنحو من هذا ، أعني أن القسامة لا تجب إلا بلوث والشاهد الواحد عنده إذا كان عدلا لوث باتفاق عند أصحابه ، واختلفوا إذا لم يكن عدلا . وكذلك وافق الشافعي في قرينة الحال المخيلة مثل أن يوجد قتيل مشحطا بدمه وبقربه انسان بيده حديدة مدماة ، إلا أن مالكا يرى أن وجود القتيل في المحلة ليس لوثا ، وإن كانت هنالك عداوة بين القوم الذين منهم القتيل وأهل المحلة ، وإذا كان ذلك كذلك لم يبق ههنا شئ يجب أن يكون أصلا لاشتراط اللوث في وجوبها ، ولذلك لم يقل بها قوم ، وقال أبو حنيفة وصاحباه : إذا وجد قتيل في محله قوم وبه أثر وجبت القسامة على أهل المحلة . ومن أهل العلم ما أوجب القسامة بنفس وجود القتيل في المحلة دون سائر الشرائط التي اشترط الشافعي ، ودون وجود الأثر بالقتيل الذي اشترطه أبو حنيفة ، وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود ، وقال به الزهري وجماعة من التابعين ، وهو مذهب ابن حزم قال : القسامة تجب متى وجد قتيل يعرف من قتله أينما وجد ، فادعى ولاة الدم على رجل وحلف منهم خمسون رجلا خمسين يمينا ، فإن هم حلفوا على العمد فالقود وإن حلفوا على الخطأ فالدية ، وليس يحلف عنده أقل من خمسين رجلا ، وعند مالك رجلان فصاعدا من أولئك وقال داود : لا أقضي بالقسامة إلا في مثل السبب الذي قضى به رسول الله ( ص ) . وانفرد مالك والليث من بين فقهاء الأمصار القائلين بالقسامة ، فجعلا قول المقتول فلان قتلني لوثا يوجب القسامة ، وكل قال بما غلب على ظنه أنه شبهة يوجب القسامة ، ولمكان الشبهة رأى تبدئة المدعين من رأى ذلك منهم ، فإن الشبه عند مالك تنقل اليمين من المدعى عليه إلى المدعي ، إذ سبب تعليق الشرع عنده اليمين بالمدعى عليه ، إنما هو لقوة شبهته فيما ينفيه عن نفسه ، وكأنه شبه ذلك باليمين مع الشاهد في الأموال . وأما القول بأن نفس الدعوى شبهة فضعيف ومفارق للأصول والنص لقوله عليه الصلاة والسلام : لو يعطى الناس بدعاويهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ، ولكن اليمين على المدعى عليه وهو حديث ثابت من حديث ابن عباس وخرجه مسلم في صحيحه ، وما احتجت به المالكية من قصة بقرة بني إسرائيل فضعيف ، لان التصديق هنالك أسند إلى الفعل الخارق للعادة . واختلف الذين أوجبوا القود بالقسامة هل يقتل بها أكثر من واحد ؟ فقال مالك : لا تكون القسامة إلا على واحد ، وبه قال أحمد بن حنبل ، وقال أشهب : يقسم على الجماعة ويقتل منها واحد يعينه الأولياء ، وهو ضعيف . وقال